عاجل

بعد وداع خامنئي.. غياب مجتبى يثير التساؤلات ومضيق هرمز يتحول إلى ساحة اختبار

ثلاثية غير متوقعة بعد دفن خامنئي

مع إسدال الستار على مراسم دفن المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة من التحديات السياسية والعسكرية، يصفها المحللون بأنها «ثلاثية غير متوقعة» أعادت خلط الأوراق مع الولايات المتحدة ووضعت مذكرة التفاهم أمام أصعب اختبار في مضيق هرمز.

ويرى الصحفي والباحث عبد القادر فايز أن مذكرة التفاهم حققت هدفها الأساسي في وقف الحرب، لكنها لم تصمم لإنتاج سلام دائم. ويشير إلى أن إيران خرجت بثلاثة تطورات غير متوقعة: تصعيد كبير قبل يومين من الدفن، غياب المرشد الحالي مجتبى خامنئي، وانتهاء المشهد بمحاولة إنقاذ المفاوضات.

غياب مجتبى خامنئي.. لغز يثير التكهنات

كان غياب مجتبى خامنئي عن مراسم دفن والده الحدث الأكثر إثارة للأسئلة. فمنذ الضربة التي قتلت والده في 28 فبراير، لم يظهر مجتبى، البالغ 56 عاماً، في خطاب أو صورة مؤكدة. حضر أشقاؤه مصطفى وميثم ومسعود، لكن الرجل الذي قُدم بوصفه المرشد الجديد بقي غائباً.

وتتراوح التفسيرات بين إصابات خطيرة أصيب بها في ساقيه ويده وذراعه، أو اختباء خشية استهدافه بعد تهديدات إسرائيلية، أو أن حالته الصحية تمنعه من الظهور. ويقول الأستاذ الجامعي محسن ميلاني: «أي ظهور علني لمجتبى قد يعرضه لخطر الاغتيال». فيما يرى مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ أن غيابه يشير «إما إلى هواجس أمنية مفرطة أو إصابات بالغة».

مضيق هرمز.. الاختبار الحقيقي

يرسم المحللون صورة للمشهد الحالي، مؤكدين أن الاختبار الفعلي لمذكرة التفاهم لم يعد في الملفات النووية أو الاقتصادية، بل في مضيق هرمز، الذي أصبح ساحة قياس لمدى قدرة الطرفين على تحويل وقف الحرب إلى تفاهم مستدام. وتشير التقديرات إلى أن نجاح «المسار الجنوبي» قد يقلص نفوذ إيران في المضيق بنسبة 60%.

ويقول الباحث أليكس فاتانكا: «لماذا تتخلى عن ماسة مقابل مصاصة؟» في إشارة إلى أن هرمز هو الماسة، بينما تمثل المصاصة رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة. وقد وصف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف المضيق بأنه «أعظم أدوات القوة» و«نعمة إلهية».

من ولاية الفقيه إلى جمهورية الحرس؟

يركز الإعلام الرسمي خلال الجنازة على الرئيس مسعود بزشكيان وكبار قادة الحرس الثوري، أكثر من المرجعيات الدينية التقليدية، مما يعكس تحولاً تراكم منذ سنوات. ويرى جيسون برودسكي أن مجتبى خامنئي «زعيم أضعف من والده وأكثر اعتماداً على الحرس الثوري». ويضيف الباحث أليكس فاتانكا أن مجتبى «سيحكم من خلال المؤسسات لا فوقها».

وتخلص دراسة في مجلة «فورين أفيرز» إلى أن الحرب سرّعت انتقال مركز الثقل إلى جيل جديد من قادة الحرس الثوري، الذين يعيدون تشكيل الجمهورية الإسلامية بحيث تصبح أقل اعتماداً على الخطاب الأيديولوجي وأكثر ارتكازاً إلى اعتبارات الأمن القومي.

حشود ضخمة وروايات متضاربة

اختلفت التقديرات بشدة بشأن عدد المشاركين في مراسم طهران، فتراوحت بين 350 ألفاً وعدة ملايين. وبصرف النظر عن الدقة، بدا واضحاً أن التشييع استقطب حشوداً كبيرة قارنتها بعض القراءات بجنازة الخميني عام 1989. وامتلأ مسجد جمكران في قم قبل ساعات من بدء الصلاة، التي أمها آية الله جوادي آملي.

وفي المقابل، سعت المعارضة الإيرانية إلى تقديم رواية مغايرة، متحدثة عن هجوم إلكتروني استهدف أكثر من 900 موقع ومنصة تابعة لـ12 جامعة، وشعارات مناهضة في محيط مراسم الدفن. ورغم عدم تمكن وسائل إعلام مستقلة من التحقق، إلا أن ذلك يعكس صراعاً على الرواية بين النظام والمعارضة.

إيران بعد خامنئي: ثلاث حقائق متوازية

خرجت إيران من الجنازة بثلاث حقائق متوازية: الأولى أن النظام يحتفظ بقاعدة اجتماعية وتنظيمية لا يمكن تجاهلها، والثانية أن غياب مجتبى والرؤساء السابقين يكشف أن الوحدة في الشارع لا تعني وحدة داخل قمة النظام، أما الثالثة فهي أن الحرس الثوري يبدو المستفيد الأكبر من المرحلة.

وقد لا تكون إيران ما بعد خامنئي جمهورية دينية تحولت فجأة إلى حكم عسكري، بل نظاماً هجيناً يحتفظ بعمامة المرشد في القمة، بينما تزداد قبضة القادة العسكريين على القرار. وستتحدد النتيجة النهائية وفق ثلاثة اختبارات: هل يظهر مجتبى قادراً على الحكم؟ هل تنجح القيادة في تحويل نفوذها في هرمز إلى مكسب تفاوضي؟ وهل تستجيب لمطالب التغيير أم تستخدم الحشود غطاء لتشديد القمع؟

هكذا كانت جنازة خامنئي نهاية عهد وافتتاحاً لمعركة جديدة على معنى الدولة الإيرانية: بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري، بين التفاوض والانتقام، وبين التفويض الشعبي والتعبئة الرسمية.